أطفال هربوا من جحيم الفقر ليسقطوا في جحيم صقيع السويد

9161c73f-94cf-47fe-a082-bf35adee53f7
وليد (16 سنة) من مدينة خريبكة بالمغرب يسعى إلى العيش في أوروبا

يعيش في السويد عدد من القُصر المغاربة دون إقامة، بعضهم يعيش في الشوارع والبعض الآخر لدى عائلات سويدية أو مستضيف (Jourhem). لكن المشكلة الكبرى التي تواجههم هي استحالة حصولهم على الإقامة في السويد، لغياب دوافع معقولة لمنحهم حق اللجوء، وذلك وفقاً لقرارات وقوانين مصلحة ووزارة الهجرة، رغم أن الأمر يتعلق بأطفال مثلهم مثل باقي القُصر من مختلف بلدان العالم، هذا من جهة.

من جهة أخرى تجد السويد صعوبة في ترحيل هؤلاء الأطفال إلى المغرب لافتقادهم لوثيقة سفر رسمية تخول لهم الرجوع للمغرب، حيث تجد السفارة المغربية في ستوكهولم صعوبة في تحديد جنسيات هؤلاء الأطفال، وكذلك بسبب عدم تقبل القُصر لفكرة العودة للمغرب. في هذا التقرير سنتطرق لقصة أطفال، قُصر وشباب وصلوا للسويد، وأصبحت وسائل الإعلام تطلق عليهم اسم “أطفال الشوارع المغاربة”. فهل هم بالفعل أطفال شوارع من المغرب؟ أم أن الظروف جعلت منهم أطفال شوارع في دول أوروبية مختلفة ليصلوا في آخر المطاف للسويد، لعيش حياة أشد قساوة؟

حياة مبهمة 

في مقهى مكتبة شيستا ضواحي العاصمة السويدية، التقينا الطفل علي الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، وهو يمر من نفس الظروف، حيث يفضل الانتحار على العودة للمغرب على حد تعبيره.

علي طفل يختلف عن العديد من الأطفال المغاربة الذين التقيتهم على مدار ثلاث سنوات في شوارع العاصمة ستوكهولم. لأنه لم ينزلق في براثن الجريمة والمخدرات. ويمكن وصفه على أنه خجول جداً ولا يتوفر على أشياء ثمينة مثل أغلبية القُصر المغاربة، حيث كان يحمل بين يديه هاتف نقال قديم من نوع نوكيا، ويتضح جلياً أنه لا يتجاوز بالفعل 16 عاماً.

فعلى الرغم من صغر سنه تمكن علي من القيام برحلة طويلة من المغرب مروراً بالعديد من الدول الأوروبية وصولاً إلى السويد بمفرده. وهو يتمنى أن يحصل على الإقامة في السويد لعيش حياة أفضل ومساعدة عائلته في المغرب.

لكن علي مثله مثل باقي القُصر المغاربة توصل بقرار رفض إقامته في السويد، لكن يستحيل إرساله للمغرب لعدة أسباب. أولاً لأنه لا يتوفر على هوية مغربية، وسفارة المغرب في ستوكهولم ترفض مساعدته للحصول على بطاقة تعريف وطنية، لأنها ليست متأكدة إن كان ينحدر فعلا من المغرب. وثانياً لأنه قاصر ولا تستطيع مصلحة الهجرة إرجاعه لبلده الأم بموجب اتفاقيات حقوق الطفل، ولأن علي يرفض فكرة الرجوع من الأساس، لأنه يعتقد أن حياته الآن أفضل من سابقتها.

يعيش اليوم علي عند مستضيف عينته مصلحة الهجرة للسهر على مساعدته وتربيته، حيث انتظم في دروس اللغة السويدية، لكنه يجد صعوبة في تعلمها بسبب رفض طلب لجوئه، وفقدانه للتركيز. غير أنه يرفض العودة للمغرب كما ترفض عائلته استقباله من جديد في حالة عودته.

والد علي أحمد، وفي اتصال هاتفي معه من المغرب قال إنه لا يستطيع استقبال ابنه، لأن وضعه الاقتصادي لا يسمح بذلك، خصوصاً أنه يعيل 13 طفل، ثلاثة منهم يعانون من إعاقات مختلفة. ويعتقد أن علي يجب أن يظل في السويد لإتمام دراسته والحصول على عمل ومساعدته مادياً عندما يصبح بالغاً.

وعن مغادرة علي لمنزل العائلة، قال أحمد أنه ابنه بدأ يفكر في الهجرة منذ أن كان عمره ثمان سنوات فقط، خصوصاً بعد انتقال العائلة من قرية شمال المغرب لمدينة الفقيه بن صالح وسط مُنبسط غرب سهل تادلة بالقرب من بني ملال.

مثلث الموت المغربي (خريبكة، بني ملال والفقيه بن صالح)

مدينة الفقيه بن صالح المتواجدة فيما يطلق عليه اسم “مثلث الموت” في المغرب، والمؤلف من مدن خريبكة، بني ملال والفقيه بن صالح. وأطلق هذا الاسم على المنطقة بسبب إقبال الشباب فيها على الهجرة السرية عبر خوض مغامرة ركوب البحر بطرق خطيرة في قوارب صغيرة أو سفن كبيرة تفتقد لأدنى معايير السلامة، حيث يلقى عدد كبير من الشباب والقٌصر حتفهم في عرض البحر الأبيض المتوسط، ويصل البعض الآخر إلى البر الأوروبي بعد معاناة كبيرة.

في رحلة قادتني للمغرب لمثلث الموت للتعرف أكثر على ما أصبح يطلق عليهم أطفال الشوارع المغاربة في السويد، وبالضبط بعاصمة الفوسفاط مدينة خريبكة وسط المغرب، وعلى بعد حوالي 100 كلم عن مدينة الدار البيضاء، قادتني صدفة للقاء أربعة يافعين في سن 16 عشر من عمرهم، تحدوهم رغبة في خوض غمار رحلة الحلول وليست الأحلام على حد تعبير أحدهم للحصول على فرصة لعيش حياة أفضل في البر الأوروبي.

كان الجو مظلماً وكان الأطفال الأربع في حديقة يرددون أغنية عن فريق المدينة المحلي لكن في كلماتها نجد حضور قوي لموضوع الهجرة السرية وركوب البحر دون خوف أو تردد. كونهم ينحدرون من مدينة تَعود ناسها على ركوب قوارب الموت دون مخاوف كما جاء في بعض كلمات الأغنية.

وليد أحد هؤلاء القُصر، قال إنه لا يحبذ البقاء في المغرب، ويجب أن يعجل سفره قبل أن يصبح بالغاً. ويمكن وصف وليد على أنه يافع، طويل القامة ذكي جداً. حيث تمكن من إنهاء الصف الأول من التعليم الثانوي بنجاح، لكنه لا يعتقد أن الدراسة مجدية، لأن العديد ممن سبقوه في الدراسة لم يحصلوا على فرصة عمل بعد حصولهم على شهادات عليا.

لكن هل وليد الطفل مستعد لخوض هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، رغم أن هدفه ليس أن يصبح غنياً بل البحث عن حياة كريمة. أما الأغنية التي كان يرددها اليافعين تطرقت لمدينة تورينو الإيطالية كوجهة محببة لشباب المنطقة، لكن وليد لا يفضل الهجرة لإيطاليا بل هدفه اسكندينافيا، وبالخصوص النرويج الدنمارك أو السويد.

جمعيات مكافحة الهجرة السرية غير مجدية

في مثلث الموت هناك عدة جمعيات تعمل لمكافحة الهجرة السرية بين صفوف الشباب. ومحمد جمال الذي يعمل مربي نحل بمدينة بني ملال، ويخصص جزء من وقته للعمل بشكل طوعي ضمن “جمعية ائتلاف الكرامة لحقوق الإنسان” بالمدينة، يقول إن عملهم غير مجدي ولا يحقق النتائج المرجوة في ظل غياب الحلول البديلة. ومن جانب آخر يعتقد أن عصابات التهريب في المدينة التي تنشط بشكل علني دون تدخل السلطات، يصعب عمل الجمعيات الطوعية الحقوقية، ويتسبب في نشر أفكار الهجرة بين صفوف الشباب واليافعين.

العديد من الشباب المغاربة يتواجدون الآن في السويد بصفة غير شرعية، حيث تبددت أحلامهم في الحصول على حياة وردية كما كانوا يعتقدون في البداية. عدد كبير منهم يعيش في شوارع المدن السويدية. وبلغة الأرقام فهناك أكثر من 1000 طفل من شمال إفريقيا معظمهم مغاربة، لا يفضلون العودة للمغرب، رغم قساوة الحياة في السويد.

مصلحة الهجرة وجمعية بيتي

وعلى عكس أماني القُصر المغاربة، بادرت السويد في الربيع الماضي إلى توقيع اتفاقية مع المغرب، للعمل على إرجاع هؤلاء الأطفال للمغرب. وقبلها في سنة 2014 أبرمت مصلحة الهجرة عقداً رسمياً مع “جمعية بيتي لإعادة إدماج الأطفال في وضعية صعبة” بمدينة الدار البيضاء، بهدف البحث عن عائلات الأطفال المغاربة المتواجدين في السويد، وتسهيل عملية إرجاعهم لبلدهم الأم في حالة رغب اليافع في العودة إلى المغرب.

في مدينة الدار البيضاء، تزامن وصولي لمقر جمعية بيتي مع تقديم إحدى الوجبات للأطفال. فكان عدد المتواجدين يتراوح ما بين 50 و60 طفلاً ويافعاً من الذكور والإناث، بالإضافة للطاقم المشرف عليهم. حيث تحدث شعيب جواد، رئيس الجمعية وأخصائي في جراحة الأطفال، عن الاتفاقية المبرمة بين الطرفين، التي نصت على البحث عن عائلات الأطفال وربط الاتصال بها وزيارة المناطق التي تقطن فيها.

جمعية بيتي ارتأت الحديث عبر الانترنت مع هؤلاء الأطفال أولاً قبل مباشرة البحث عن الأهالي، وهو ما حدث بالفعل. لكن الأمر كان صعب جداً منذ البداية، لأن هؤلاء الأطفال أو الشباب لديهم تحدي ومشروع حياتي يريدون تحقيقه في أوروبا، وليست لديهم نوايا للعودة إلى لمغرب، يقول شعيب جواد.

فشل إقناع الأطفال بالعودة للمغرب

بناءً على هذه المعطيات والنتائج، أبلغت جمعية بيتي مصلحة الهجرة السويدية أنها لم تعد مستعدة للاستمرار في مشروع غير مجدي لأن المعنيين بالأمر لا يريدون العودة للمغرب.

وزير الداخلية السويدي أندش يغيمان اقتنع بكلام الدكتور شعيب جواد، وقال في هذا الصدد “للأسف ما صرح به رئيس جمعية بيتي يعتبر وصفاً دقيقاً للوضع، لأن كل المجهودات المبذولة لم تساعد في إرجاع أي طفل للمغرب، بسبب صعوبة العثور على العائلات أو إقناعها باستقبال أبنائها في حالة تحديد مكانها.

يذكر أن الاتفاقية المبرمة بين جمعية بيتي ومصلحة الهجرة السويدية انتهت صلاحيتها اليوم الجمعة. لكن الأمر يتعلق بأطفال ويتضح أن السويد لم تتحمل المسؤولية وبالتالي فإنها ربما تخرق اتفاقية حقوق الطفل في هذا الجانب.

وزير الداخلية يرفض تحميل السويد المسؤولية

وزير الداخلية أندش يغيمان يرى عكس ذلك رغم أن الأمر يتعلق بقُصر. وأضاف “السويد ليست مسؤولة لأن هؤلاء الأشخاص لا يحق لهم التواجد في السويد”، وذلك وفقاً لما صرح به لبرنامج (Konflikt) في الإذاعة السويدية السبت الماضي.

لكن الوزير عاد من جديد ليقول إنه على الرغم من كل شيء، فالسويد تتحمل جزء من المسؤولية، باحترامها لاتفاقية حقوق الطفل، وذلك عن طريق مساعدتهم بالعودة لبلدهم الأم. كما وجه شعيب جواد، رئيس جمعية بيتي، انتقادات شديدة اللهجة لطريقة التعامل مع هؤلاء الأطفال، على الرغم من حديث أوروبا عن مصلحة الطفل الفضلى.

مثلث الموت خريبكة، بني ملال، والفقيه بن صالح في المغرب هي المنطقة التي قدم منها علي، تتسم بالفقر والبطالة وانعدام الأمل في عيون بعض الشباب واليافعين.

توجهت هناك لإجراء لقاء من عين المكان مع أحمد والد علي، لكنه رفض بسبب طارئ حدث في نفس اليوم. العائلة تلقت صدمة بإصابة ابنها سعيد، البالغ من العمر تسع سنوات، بمرض السل وهو أيضا يعاني من شلل الأطفال بسبب إهمال العديد من اللقاحات الضرورية رغم مناشدات الجهات الوصية عن طريق تنظيم حملات توعوية بضرورة التلقيح. لهذا السبب تركت طموحاتي الصحفية جانباً لإجراء حوار مع أحمد، وتنقلت معه للمستشفى الإقليمي بمدينة بني ملال، للاطمئنان على صحة الطفل.

من مثلث الموت ينحدر الطفل علي والعديد من القُصر والشباب المغاربة الذين قصدوا الصوب الأوروبي، ومن هنا ينحدر وليد الذي يطمح في الوصول إلى إسكندنافيا رغم المخاطر التي قد تودي بحياته، فإلى متى ستستمر هذه المعاناة؟ ومتى ستتوفر الظروف الملائمة للشباب التي قد تثنيهم عن خوض مغامرة البحر الأبيض المتوسط، الذي طوت أمواجه جثت العديد من الشباب الأفارقة والعرب، وأصبحوا لقمة سائغة في أفواه حيتان الأطلسي أو المتوسط.

من مثلث الموت ومناطق أخرى في المغرب ينحدر الطفل علي، وعدد من القُصر المغاربة في السويد، وإلى هناك يرفضون العودة رغم قساوة الظروف أيضاً في السويد، ومن هناك أيضاً يخطط آخرون خوض المغامرة لأول مرة.

sverigesradio.se/sida/artikel.aspx?programid=2494&artikel=6531200

 

Please follow and like us:
Facebook
Facebook
GOOGLE
http://marocweb.net/?p=648">
SHARE

شاهد أيضاً

53386a2b-4f61-4fb0-983c-75d8ae57626d

الشرطة السويدية تحذر من مهرجين مجرمين

تعرض العديد من الأشخاص في السويد في الأيام الأخيرة لمضايقات وتهديدات بأسلحة من أشخاص يرتدون …

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook20
Facebook
GOOGLE0
http://marocweb.net/?p=648">
SHARE20