“الغمس الجماعي” للأصابع في الأكل انحدار مغربي

MealMorocco

نلاحظ جميعاً عادات الأكل لدى المغاربة؛ بحيث يتحلقون حول المائدة وهم جالسون على “السّْداري” أو على الأرض وصحن الأكل الكبير الوحيد في الوسط، ونرى الأصابع تقوم بحركة ذهابًا وإياباً بين الأفواه والصحن. ونرى مشهد الأصابع وهي تحمل لقمة الطعام إلى الفم، ومن تم تحمل الأصابع لُعاب الفوه لتنقلها مرات ومرات أثناء الذهاب والإياب إلى قلب الصحن؛ حيث تتسابق الأصابع في المرق الجماعي ويختلط لعاب كل الأفواه.

كما نرى في بعض الأحيان وضع الأصابع مع لعابها مباشرة على قطع اللحم؛ حيث تتدخل الأظافر كذلك للمساعدة في قَطع لقيمات اللحم التي قد تُقدم لشخص آخر ترحيباً به حسب التقاليد المغربية الأصيلة. وبطبيعة الحال يأخذها الضيف بكل سرور ويلقي بها في فمه ممتزجة بلعاب المضيف، حاملة معها ما حقنت أظافر أصابعه من ميكروبات وجراثيم.

المشكلة طبعاً لا تكمن في الأكل بالأصابع ولكن تكمن في إلقائها في قلب الصحن الجماعي؛ حيث تَحُطُّ أصابع أشخاص آخرين في الوقت نفسه ويصبح الصحن كالمسبح الجماعي ملوثا بلعاب كل الحاضرين، ولكن لا ننسى أيضاً أن المسبح فيه مواد مضادة للميكروبات بخلاف مسبح صحن الطاجين. وبشكل آخر لا أرى مشكلة في أن يأكل الشخص بأصابعه ولكن في “صحنه الفردي”، علماً أن هذه الطريقة في الأكل ليست لبقة ولا تتوافق مع الذوق وقواعد النظافة الوقائية في آن واحد.

هل تتصورون الكم الهائل من أنواع وأصناف الميكروبات والبكتيريا في الفم وحده (أكثر من مليار و300 مليون بكتيريا)، ونُضيف إلى هذا عدد ميكروبات الأفواه المريضة والأمراض الأخرى دون أن ننسى أين كانت أصابع كل شخص قبل الأكل (الاستنجاء مثلاً)، وحتى لو غُسلت فهذا لا يعني أنها نظيفة كما ينبغي، وهناك من ينظف يده بالماء فقط ويظن أنها طُهرت، ناهيك عن الأوساخ والجراثيم الخبيثة التي تختبئ تحت الأظافر، والتي يفوق عددها وأنواعها تصوراتنا، كما أن الأيادي أكثر تلوثاً من باقي الجسم. فتخيلوا ماذا يجري حينما تحقن كل هذه الميكروبات في صحن واحد وتنتقل إلى كل أفواه المجتمعين؟

أما المشكل الآخر فهو أن معظم المغاربة يتشبثون بطريقة الأكل جماعياً في صحن مشترك عن طريق غمس الأصابع؛ لأنهم يعتبرون الأكل في صحن فردي وبالفرشاة أو الملعقة عادة غربية رومية وخيانة لتقاليدنا ولهويتنا الثقافية، وهذا ما أعتبره تعصباً أعمى ورفضاً لاحترام استقلالية الفرد وانتهاكاً لحرمة مأكله ومشربه!

نحن في زمن برهن فيه العلم عن وجود الميكروبات والجراثيم منذ القرن السابع عشر، ونعلم أن بعضها لا تموت حتى لو غُسلت الأيادي بالصابون مليون مرة، ورغم كل هذا يستمر مجتمعنا في التشبث بطريقة أكله الجماعية ويمارسها بمخاطر صحية، بل يفتخر بها ويرفض التطور والتغيير حتى في حق الفرد في أن يأكل في صحنه المنفرد، ولماذا؟

– لأن يد الله مع الجماعة؟

هذا لا يعني أننا إذا أكلنا جماعياً حول مائدة واحدة وأكل كل فرد منا في صحنه أننا قد تفرقنا وغابت عنا يد العون الإلهي! “يد الله مع الجماعة” تعني أن يد الله مع المتعاونين على مساعدة وخدمة المجتمع والعمل على ما هو خير للإنسانية، كالتعاون في نظافة بيوتنا وشوارع مدننا والتشارك في الامتناع عن البصق ورمي الأزبال والتحرش بالكلام البذيء مثلا، ولا يقصد بهذه العبارة التعاون على رمي لعابنا ووسخ أظافرنا في الصحن الجماعي!

– لأن هذه تقاليدنا؟

ليست كل التقاليد صالحة ونرى عبر الأزمان كيف تتغير التقاليد والعادات رغما عنا. فإذا أدركنا أن أحد هذه التقاليد فيه ضرر أليس من الأسلم والأقوم تركه وراء ظهورنا؟ ومن ناحية اللباقة وجمالية مائدة الأكل ألا تجدون كذلك أن الأكل بشكل جماعي في صحن واحد طريقة بدائية وهمجية؛ حيث الكل يتسابق على الأكل والطاولة تصبح كالمزبلة تتجمع على سطحها قطع فتات وأطراف الخبز بلون أصفر أو أحمر حسب لون سائل الصحن، إلى جانب قطع العظم وبقايا اللحم والشحم والدجاج المتناثرة هنا وهناك، مع قطرات المرق التي تتوزع كالمطر في كل مكان.

وكم يؤلمني مشهد كأس الماء الوحيد اليتيم الذي ينتقل من فم إلى آخر مساهماً هو كذلك في تمازج لعاب الآكلين وقد أصبح زجاجه مُضبباً بدهن الأصابع وبصماتها. وبملاحظة كل هذه الأمور ألا ترون أنها شيء يخالف أبسط قواعد النظافة وضرره لا يقل عن الأسلحة البيولوجية؟ وإذا ذهبنا بهذا الكأس بعد المأدبة إلى مختبر بيولوجي فكم سنجد من أصناف وأنواع البكتيريا والميكروبات على سطحه؟

هل نريد أن نتحضر ونتعلم وننتفع بما جاء به العلم، أم نستمر نأكل على ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا؟

*طبيب ومحلل نفساني

hespress.com/societe/349457.html

Please follow and like us:
Facebook
Facebook
GOOGLE
http://marocweb.net/?p=692">
SHARE

شاهد أيضاً

سيدة تنجب خمسة توائم بالدار البيضاء

الاثنين 10 نونبر 2014 – 23:46 وضعت سيدة تبلغ من العمر 28 سنة، أول أمس …

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
Facebook20
Facebook
GOOGLE0
http://marocweb.net/?p=692">
SHARE20